
– فلسطين الحدث: – لم يكن الصناعيون يتوقعون أن تتحوّل الأعداد التي سبقت (232) من الجريدة الرسمية إلى معركة سياسية واقتصادية مكتملة الأركان.
قرار بقانون جاهز وموقّع من الرئيس محمود عباس، قطاع صناعي يطالب بحقه، ونشر القانون، غرف تجارية تهدّد بالاستقالة، ونائب غرفة يُطالب بالفصل، وحكومة تلتزم الصمت..!
ثلاثة أشهر ونيف من الضبابية تُبقي القرار معلّقًا، وتفتح تساؤلات واسعة حول طبيعة النفوذ داخل مؤسسات السلطة، ومن يملك القدرة على تعطيل قرار يمكن أن يغيّر ميزان القوة داخل القطاع الخاص الفلسطيني.
من يربح من بقاء الوضع كما هو؟
ولماذا تتحرك السلطة التنفيذية باتجاهين متناقضين؟
وحتى الآن، يترقّب الصناعيون صدور العدد (232) من الجريدة الرسمية الذي قد يحسم الجدل حول فصل صلاحيات الغرف التجارية عن القطاع الصناعي، فيما يزداد الغموض السياسي والإداري المحيط بالقرار كلما طال الانتظار.
فصل الصلاحيات… جذور الصراع يستند الجدل إلى قرار بقانون رقم (9) لسنة 2011، الذي منح الغرف التجارية صلاحيات تشمل التجارة والصناعة معًا، وهو ما يعتبره الصناعيون “ازدواجًا تمثيليًا” يحجب دورهم الحقيقي في حماية المنتج الوطني والدفاع عن قضايا المصانع.
وقانون الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية والاتحادات الصناعية التخصصية رقم (2) لسنة 2006، الصادر عن المجلس التشريعي والمصادَق عليه من الرئيس محمود عباس بتاريخ 21 كانون الثاني/يناير 2006، وضع الإطار القانوني الناظم لعمل الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية، ومنح الاتحادات الصناعية صلاحيات واضحة في تمثيل القطاع الصناعي والدفاع عن مصالحه وإدارة شؤونه.
ويُعد هذا القانون المرجعية الأساسية التي يستند إليها الصناعيون اليوم في مطالبتهم باستعادة الصلاحيات التي انتقلت لاحقًا إلى الغرف التجارية.
العدد (232)… رقم يتحوّل إلى معركة بالنسبة للصناعيين، يمثّل العدد (232) من الجريدة الرسمية خط الفصل؛
ومجرد نشر القرار فيه يعني دخوله حيّز التنفيذ فورًا.
اتحاد الصناعات الفلسطينية يؤكد أن القرار مكتمل دستوريا، لكنه “معلّق إداريًا” بانتظار النشر، ما يبقي عشرات الملفات التنظيمية معطّلة، ويُبقي التمثيل الصناعي تحت مظلة الغرف التجارية.
وزير الصناعة: القرار موقّع… وزير الصناعة عرفات عصفور قال في مقابلة تلفزيونية مع فضائية معا بتاريخ 25 أيلول الماضي: “القانون تم التوقيع عليه من قبل الرئيس، وهو موجود في مكتب الرئيس”.
رئيس الحكومة طلب التأجيل وفق ما أكدته مصادر مطلعة لـ”معا”، فإن رئيس الوزراء طلب تأجيل نشر القرار دون تحديد مدة زمنية، ما يكشف وجود تضارب داخل مؤسسات السلطة: جهة وقّعت على القرار: الرئيس جهة تطالب بتأجيله: رئيس الحكومة جهة ثالثة تلتزم الصمت: وزارة الصناعة جهة رابعة “متنفذة” تعطل النشر هذا التناقض يعمّق الشكوك حول وجود ضغوط اقتصادية وسياسية تحول دون نشر القرار.
من يعطّل؟
ومن يقف خلف القرار؟
رئيس الاتحاد العام للصناعات اتهم سابقًا “جهات متنفذة” بأنها تعمل على تعطيل نشر القرار، معتبرًا أن التأجيل “يُضرّ بالصناعة ويطيل أمد التوتر”.
بدوره، حذّر رئيس اللجنة الرئاسية للسلم الأهلي لافي غيث من أن “كل يوم تأخير يعني مزيدًا من الضغط على الصناعيين والعمال”، مشيرًا إلى أن القضية قد تتجاوز البعد الاقتصادي نحو تأثيرات اجتماعية مباشرة.
كما دعا نافذ الجعبري عضو اللجنة العشائرية العليا في فلسطين إلى نشر القرار فورًا، معتبرًا أن الفصل “مصلحة وطنية تصب في تعزيز السلم الأهلي”.
الغرف التجارية: سنستقيل حال صدور القانون الموقف الأكثر حدة جاء من رئيس اتحاد الغرف التجارية الصناعية الزراعية، عبد إدريس، الذي قال بصفته رئيسًا لغرفة تجارة وصناعة الخليل: “صدور هذا القرار يعني تفتيت القطاع الخاص، وأنا جاهز لتقديم استقالتي من رئاسة اتحاد الغرف، إضافة إلى استقالة زملائي اعضاء مجالس إدارة الغرف التجارية”.
هذا التهديد يكشف حجم المواجهة بين الغرف التجارية والاتحاد الصناعي، ويكون بهذه الصراحة.
وفي المقابل طالب نائب رئيس غرفة تجارة رام الله والبيرة محمد زيد النبالي الحكومة بنشر القرار بقانون وفصل صلاحيات الغرف التجارية عن الصناعة.
وهذه الملاحظة تعكس التناقد في تهديدات رئيس اتحاد الغرف التجارية..
ثلاثة أشهر ونيف من تقارير “معا”… ولا رد حكومي وعلى مدار ثلاثة أشهر ونيف، واصلت “معا” نشر تقارير وأخبار وتحقيقات حول مطلب الصناعيين بفصل صلاحيات الغرف التجارية عن القطاع الصناعي، من خلال نشر القرار بقانون، دون أن يصدر أي رد رسمي من رئيس الوزراء أو المتحدث باسم الحكومة.
وحده وزير الصناعة تحدث بإيجاز عبر فضائية “معا”، لكن الصمت الحكومي المطبق حول هذه القضية الحساسة يثير تساؤلات جدية: هل يتابع المسؤولون في الحكومة ما يُنشر في الصحافة الفلسطينية؟
أم أن اهتمامهم منصبّ على ملفات يرونها أكثر أهمية من مستقبل الصناعة الوطنية؟
الصناعة ليست ترفًا… إنها عمق اقتصادي وتجذّر في الأرض بالنسبة للفلسطينيين، ولا يمكن التعامل معها كملف قابل للتأجيل.
(232)… رقم يتحول إلى معركة نفوذ العدد (232) ليس رقمًا عابرًا في الجريدة الرسمية؛
إنه اختبار لنفوذ الأطراف داخل القطاع الخاص، ومحكّ لقدرة الحكومة على اتخاذ قرار حاسم بعيدًا عن الضغوط.
فبين توقيع الرئيس، وتأجيل رئيس الحكومة، واصطفاف الغرف التجارية في مواجهة الصناعيين، يبقى السؤال معلّقًا: هل سيُنشر القرار وتُمنح الصناعة حقها… أم يبقى في الأدراج حتى إشعار آخر؟