
– فلسطين الحدث: – في قلب مدينة الخليل، وعلى بُعد أمتار قليلة من أكثر شوارعها حيوية، يعيش نحو 122 عائلة فلسطينية في شارع الشهداء وحي تل أرميدة واقعاً أقرب إلى السجن المفتوح.
فمنذ السابع من أكتوبر 2023، تحوّلت الحياة اليومية هناك إلى صراع صامت مع البوابات الحديدية، والحواجز العسكرية، والمراقبة الدائمة، والخوف المستمر من المجهول.
الطريق المؤدي إلى شارع الشهداء من جهة باب الزاوية أُغلق بالكامل ببوابة حديدية محكمة، يرافقها تفتيش إلكتروني وكاميرات مراقبة، إلى جانب وجود دائم لجنود الاحتلال على مدار الساعة.
أما الطريق الآخر باتجاه جبل الرحمة، فقد أُغلق هو الآخر ببوابتين، إحداهما مخصصة للسكان، تُفتح وتُغلق وفق إجراءات أمنية متقلبة.
الطريق البديل، الذي يمر من وسط المقابر، بات خياراً قسرياً لكثير من السكان، يضطرون لعبوره مراراً، رغم قسوته النفسية ورمزيته الثقيلة.
في الصورة: من اليمين: رائد زاهدة، الحاج مفيد الشرباتي، عماد ابو شمسية، زيدان الشرباتي من سكان شارع الشهداء يروي الحاج مفيد الشرباتي، أحد سكان شارع الشهداء، أن الحياة هناك لم تعد تُقاس باليوم أو الساعة، بل بإمكانية العودة إلى المنزل.
يقول: “إذا لم تعد في الموعد غير المكتوب، قد تفقد فرصة الرجوع.
تنتظر ساعات طويلة على الحاجز، أو تُمنع وتضطر للمبيت خارجه”.
هذا الواقع دفع كثيرين إلى تجنّب الخروج من بيوتهم إلا للضرورة القصوى، خوفاً من أن يتحول الخروج إلى فراق طويل مع المنزل.
في حي تل أرميدة، لا تبدو الصورة أقل قتامة.
يصف عماد أبو شمسية الحياة في حيّه بأنها “قطعة من الجحيم، وأحياناً الجحيم بعينه”، في ظل اعتداءات متواصلة من المستوطنين، بحماية مباشرة من جنود الاحتلال، ومداهمات مفاجئة، وتوتر دائم يجعل أدق تفاصيل الحياة اليومية محفوفة بالخطر.
ويروي أحد السكان، مفضلاً عدم ذكر اسمه، أنه بات يخشى السير في الشارع إذا كان أحد المستوطنين موجوداً فيه، حتى لو كان طفلاً.
يقول: “أي احتكاك، أي كلمة، قد تُحوَّل إلى تهمة اعتداء، تنتهي باعتقال أو إطلاق نار، وقد تصل إلى القتل.
تخيّل أن تعيش هذا الشعور الدائم بالخوف والقلق”.
الاحتلال يغلق شارع الشهداء ويمنع الاهالي من الوصول الى منازلهم الأطفال هنا، يكبرون على أصوات البوابات الحديدية، وعلى اعتداءات المستوطنين، ومشهد الجنود المدججين بالسلاح أمام بيوتهم.
الذهاب إلى المدرسة رحلة غير مضمونة، واللعب في الشارع حلم مؤجل، والطفولة نفسها باتت مراقَبة بالكاميرات.
وعلى بُعد خطوات قليلة فقط، تبدو الحياة شبه طبيعية.
في باب الزاوية، وشارع بئر السبع، وشارع واد التفاح، تفتح المحال أبوابها، وينتشر الباعة المتجولون، ويتحرك الناس في كل الاتجاهات.
غير أن هذا المشهد، رغم حيويته، يظل هشاً، وقابلاً للانكسار في أي لحظة بفعل اقتحام، أو حاجز، أو إطلاق نار.
هكذا، يعيش سكان شارع الشهداء وتل أرميدة بين جغرافيا واحدة وواقعين متناقضين: واقع فلسطيني محاصر تُقاس فيه الحياة بالدقائق وبفتح البوابات، وواقع آخر يبدو طبيعياً لكنه هش، قابل للانكسار في أي وقت.
في الخليل، لا تُقاس المسافات بالأمتار، بل بالحواجز، ولا تُقاس الحياة بالأيام، بل بمدى السماح لك أن تعود إلى بيتك سالماً.
لكن هذا الواقع القاسي لا ينشأ من فراغ، بل هو نتاج ترتيب سياسي–أمني طويل، حوّل المكان إلى ساحة سيطرة دائمة.
يقع شارع الشهداء وحي تل أرميدة في قلب البلدة القديمة من الخليل، بمحاذاة الحرم الإبراهيمي، وهو موقع ذو أهمية دينية وتاريخية واقتصادية بالغة.
وبموجب بروتوكول الخليل الموقع عام 1997 بين حكومة الاحتلال الإسرائيلي ومنظمة التحرير الفلسطينية، جرى تقسيم المدينة إلى منطقتين: (H1) الخاضعة للسيطرة الأمنية والإدارية الفلسطينية، و(H2) الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة، رغم بقاء سكانها فلسطينيين.
ويقع شارع الشهداء وحي تل أرميدة ضمن منطقة (H2)، التي يقطنها نحو 55 ألف فلسطيني، مقابل بضع مئات من المستوطنين فقط.
ورغم محدودية عددهم، أُقيمت في شارع الشهداء ومحيطه عدة بؤر استيطانية داخل النسيج العمراني الفلسطيني، أبرزها: بيت هداسا، بيت رومانو، أبراهام أفينو، وبؤرة رمات يشاي.
هذه البؤر شكّلت الذريعة الأساسية لفرض وجود عسكري كثيف، وإغلاق الشوارع، ومنع الحركة، وتحويل المنطقة إلى فضاء أمني مغلق، تُدار تفاصيله اليومية عبر الحواجز، والبوابات، والقرارات الميدانية للجنود.
أهالي شارع الشهداء خلال اعتصامهم في وقت سابق للمطالبة بفتح الطريق أمامهم وازالة الحواجز العسكرية الاسرائيلية ومنذ مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، ثم إعادة الانتشار وفق بروتوكول الخليل، تصاعدت إجراءات العزل والإغلاق، وصولاً إلى الإغلاق شبه الكامل لشارع الشهداء أمام الفلسطينيين، وتحويله فعلياً إلى شارع محظور على أصحابه، ومتاح للمستوطنين وجيش الاحتلال.
ورغم تقديم بروتوكول الخليل كترتيب أمني مؤقت، إلا أنه تحوّل مع مرور الوقت إلى غطاء لواقع احتلال دائم، تُقيَّد فيه حياة الفلسطينيين باسم “الأمن”، بينما تُفرض السيطرة بالقوة على المكان والإنسان.
اليوم، وبعد السابع من أكتوبر 2023، بات هذا الواقع أكثر قسوة، وتحولت المنطقة إلى ما يشبه ثكنة عسكرية مغلقة، حيث لا يُسأل الفلسطيني عن حقه في العيش، بل عن موعد عودته، وإن كان سيُسمح له بالعبور أم لا.
مواطنون يستخدمون طريق المقابر للوصول الى شارع الشهداء