
– فلسطين الحدث: – عندما قال وزير الاقتصاد في حكومة الاحتلال الإسرائيلي نير بركات إن “غزة قد تمر عبر الخليل”، بدا التصريح للوهلة الأولى وكأنه حديث اقتصادي، لكنه سرعان ما أثار تساؤلات سياسية وأكاديمية حول ما إذا كان يخفي تصورات أعمق تتعلق بمستقبل العلاقة بين قطاع غزة والضفة الغربية، وفرض مزيد من السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية دون إعلان رسمي.
وقال الأكاديمي والباحث السياسي وأستاذ القضية الفلسطينية في جامعة القدس المفتوحة الدكتور أسعد العويوي، إن التصريح قد يبدو في ظاهره اقتصاديًا أو تقنيًا، لكنه يحمل في جوهره أبعادًا سياسية وجيوسياسية أوسع، ترتبط بمحاولات إعادة ترتيب العلاقة بين الجغرافيا الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأوضح العويوي أن اختيار مدينة الخليل تحديدًا في هذا السياق ليس عشوائيًا، فالمدينة تُعد من أكبر المدن الفلسطينية من حيث الكثافة السكانية، كما أنها من أهم المراكز الصناعية والتجارية، إذ تضم شبكة واسعة من المصانع والأسواق التجارية، إضافة إلى تقاليد اقتصادية راسخة تمتد لعقود.
هذا الثقل الاقتصادي يجعل الخليل في نظر بعض دوائر التفكير الإسرائيلية نقطة جذب لأي مشاريع كبيرة أو احتضان شراكات اقتصادية محتملة يمكن أن يمتد تأثيرها إلى مناطق فلسطينية أخرى، ما قد يفسر طرحها كحلقة وصل محتملة في أي تصورات مرتبطة بغزة.
وأضاف أن الاقتصاد في مثل هذه الطروحات قد لا يكون الهدف بحد ذاته، بل مدخل لإعادة ترتيب الجغرافيا السياسية الفلسطينية.
إسرائيل، بحسب العويوي، تناقش منذ سنوات سيناريوهات مختلفة تتعلق بمستقبل العلاقة بين غزة والضفة الغربية، خاصة بعد سيطرة حركة حماس على القطاع عام 2007، وما نتج عن ذلك من واقع فصل سياسي وجغرافي بين المنطقتين.
ويرى العويوي أن فكرة “غزة عبر الخليل” قد تُقرأ ضمن تصورات أوسع تسعى إلى التعامل مع كل من غزة والضفة الغربية كوحدتين منفصلتين سياسيًا واقتصاديًا، مع الاعتماد على مراكز اقتصادية محلية كبيرة داخل الضفة، تكون الخليل أحد أبرزها، وربما نقطة عبور أو شراكة اقتصادية محتملة مع غزة.
ومع ذلك، أكد العويوي أنه لا توجد حتى الآن خطة رسمية معلنة تشير إلى وجود مشروع فعلي لربط غزة بالخليل أو إدارة اقتصاد القطاع عبرها، إلا أن مثل هذه التصريحات تكشف عن اتجاهات تفكير داخل بعض دوائر صنع القرار الإسرائيلي حول ترتيبات محتملة لمرحلة ما بعد الحرب.
ويبقى السؤال الأهم، وفق العويوي، ما إذا كان الحديث يدور حول فكرة اقتصادية عابرة، أم أنه يمثل مؤشرًا مبكرًا على مشاريع سياسية أعمق تهدف إلى إعادة رسم العلاقة بين غزة والضفة الغربية، وإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والسياسية الفلسطينية.
وفي نهاية حديثه، أكد العويوي، على أن أي مبادرة أو خطة سياسية، سواء طُرحت من أطراف دولية أو إقليمية، تحتاج إلى قبول الأطراف المعنية على الأرض وليس فقط دعمًا خارجيًا، لأن تجاهل هذه المعادلة غالبًا ما يؤدي إلى رفض شعبي وصعوبات كبيرة في تطبيق مثل هذه الطروحات.
ويرى أن طرح مثل هذا التصريح على لسان وزير الاقتصاد يأتي في إطار تورية الأهداف السياسية الإسرائيلية بصياغة اقتصادية أقل حساسية.