
– فلسطين الحدث: – لم يكن هذا الصباح ككل صباح.
في ساحة مدرسة الحسين بن علي، حيث اعتاد الطلبة أن يقفوا مصطفّين بانضباطٍ يشبه انضباط العسكر، وشهد لهم القاصي والداني على تميّز طابورهم الصباحي الذي كان يستقطب وزراء ومسؤولين وممثلي مؤسسات، مرّ الطابور اليوم مثقلاً بالصمت، كأن المكان كله يتهيأ لوداعٍ لا يُحتمل.
الإذاعة المدرسية، التي طالما حملت أصوات التفوق والحياة، تحولت إلى رثاء.
وعندما اعتلى أحد المعلمين المنصة ليعلن نبأ استشهاد الطالب في الصف العاشر (و) إبراهيم عبد الفتاح الخياط، خانته الكلمات، وتكسّرت على شفتيه قبل أن تخرج مثقلةً بالألم: “لقد أوجعتنا… مضى واهتزت فينا المواجع…” هكذا، تحوّل طابور الصباح -الذي كان عنواناً للانضباط والحياة- إلى مشهد حزنٍ جماعي، وإلى لحظة تختصر وجع مدرسة بأكملها.
إبراهيم لم يعد بين زملائه جسداً، لكنه بقي في تفاصيل المكان، وفي وجوهٍ شابةٍ تعلّمت باكراً معنى الفقد.
في الصف، لم يكن الغياب عادياً.
على المقعد الذي كان يجلس عليه إبراهيم، وضع زملاؤه رمزاً بسيطاً لحضوره؛
صورة مؤطرة ووشاح يحمل ألوان الوطن، وكوفية مطوية بعناية، كأنهم يرفضون الاعتراف بأن هذا المكان بات فارغاً.
الوجوه حوله صامتة، والعيون معلّقة بين الذهول والدمع، بينما بقي المقعد شاهداً على حكاية لم تكتمل.
مدير المدرسة، الأستاذ سلطان الجعبري، قال بصوتٍ يختلط فيه الفقد بالفخر إن إبراهيم كان من الطلبة المميزين اجتماعياً، خلوقاً ومؤدباً في تعامله مع زملائه وأقرانه، وله طموحاتٌ لم تسعفه الأيام لتحقيقها.
وأضاف: “لقد فقدنا ابناً من أبنائنا، وفقدنا أيضاً ابناً لزميلٍ لنا في مجلس أولياء الأمور… خسارتنا ليست عابرة.
” سقط إبراهيم قرب منزله، حيث كان يفترض أن يكون أكثر الأماكن أمناً… لكنه ارتقى، تاركاً خلفه وجعاً بحجم الغياب الذي خيّم على مدرسته، وقلوب زملائه التي لم تستوعب بعد أن مقعده قد أصبح فارغاً.
في هذا الصباح، لم يكن الغياب غياب طالبٍ فقط… بل غياب حكايةٍ كانت تكبر، قبل أن تُكتب نهايتها مبكراً، موجعةً، وثقيلةً… كقلوب من أحبّوه.