
– فلسطين الحدث: -تشهد صناعة الحجر والرخام في فلسطين مرحلة دقيقة مع تصاعد خلاف داخل القطاع بشأن تصدير الحجر الخام إلى الأردن، عقب مطالبة اتحاد صناعة الحجر لوزارة الاقتصاد بوقف التصدير، في مقابل اعتراضات من عدد من المصدرين.
غير أن الخلاف يتمحور حول الجهة التي تملك قرار الحسم؛
هل هو اتحاد صناعة الحجر باعتباره الممثل التقليدي للقطاع، أم وزارة الاقتصاد الوطني بصفتها المرجعية التنظيمية الرسمية، أم أن اتساع التمثيل القطاعي بات يفرض إشراك جهات واتحادات أخرى في صناعة القرار؟
كتاب “الاتحاد”..
من تنظيم التصدير إلى فتح معركة صلاحيات الشرارة الأبرز في هذا الملف جاءت مع الكتاب الموجه من اتحاد صناعة الحجر إلى وزير الاقتصاد الوطني محمد العامور، لمطالبته بوقف تصدير الحجر الخام إلى الأردن.
ورغم أن الخطاب حمل في ظاهره سردية تتعلق بحماية الصناعة المحلية وإعادة توجيه الإنتاج نحو التصنيع الداخلي، إلا أن تداعياته تجاوزت البعد الاقتصادي إلى إعادة فتح ملف الصلاحيات داخل القطاع.
وجاء في نص الكتاب: “وقد جاء هذا القرار بعد دراسة معمقة للآثار السلبية المترتبة على استمرار تصدير الحجر الخام، وما ينتج عنه من خسائر مباشرة في القيمة المضافة… وفقدان فرص عمل واسعة كان بالإمكان توفيرها داخل السوق الفلسطيني…”.
صورة من كتاب اتحاد صناعة الحجر والرخام الموجه لوزير الاقتصاد لكن رغم حدة الطرح، لم يقدم الكتاب بيانات تفصيلية دقيقة حول حجم الخسائر أو عدد المنشآت المتضررة، مكتفيا بإحالات عامة إلى بيانات رسمية، بينها أرقام صادرة عن وزارة العمل.
كما أشار الاتحاد إلى إمكانية توفير نحو 2000 فرصة عمل في حال إعادة توجيه الحجر الخام إلى التصنيع المحلي، دون تفصيل واضح للمنشآت المستفيدة أو المتضررة فعليا.
وفي سياق إعادة تعريف قواعد القطاع، اعتبر الاتحاد أن: “الكوتا المخصصة لتصدير الحجر الخام إلى الأردن الشقيق كانت قد مُنحت سابقًا كحالة استثنائية ومؤقتة ضمن تفاهمات محددة…”.
وهو ما يفتح عمليا باب إعادة توصيف سياسة استمرت لسنوات على أنها “استثناء قابل لإعادة النظر”.
كما حمل الاتحاد الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن تراجع القطاع، مشيرًا إلى أن ما يقارب 40% من المحاجر في المناطق (ب) و(ج) تم تحييدها بفعل الإجراءات والاعتداءات، ما أدى إلى نقص حاد في المواد الخام.
ثغرة لافتة..
الاستيراد خارج النص ورغم اتساع خطاب الاتحاد، إلا أنه لم يتطرق بشكل مباشر إلى تأثير استيراد الحجر من مصر وتركيا على السوق الفلسطيني، سواء من حيث حجم المنافسة أو أثره على المصانع المحلية، وهو ما يترك فراغا لافتا في بنية الخطاب، خصوصا في ملف يدور أساسا حول حماية الصناعة، في وقت وضع فيه المحتجون ملف الحجر المصري والتركي في قلب الأزمة.
مصدرون يحتجون..
قرار “أحادي” وتحذير من خسارة الأسواق في المقابل، جاء كتاب مصدرين محتجين على هذه المطالبة ليضع الأزمة في إطار مختلف وأكثر اتساعا، حيث اعتبروا أن ما يجري ليس خلافا إداريا عابرا، بل قضية تمس البنية الاقتصادية والاجتماعية للقطاع بأكمله.
صورة من كتاب المصدرين المحتجين على قرار منع التصدير وجاء في كتابهم: “ما يجري اليوم قضية تمس المصانع والمحاجر والعمال والعائلات والاقتصاد الوطني بأكمله”.
ويذهب المحتجون إلى أبعد من ذلك في إعادة تعريف دور الاتحاد: “إن الاتحاد الذي وُجد لحماية هذه الصناعة وتمثيل مصالح العاملين فيها يجب أن يكون سندا للقطاع… لا طرفا في قرارات تؤدي إلى تعطيل أعمالها”.
كما شددوا على رفض أي قرار يتعلق بوقف تصدير الحجر الخام إلى الأردن دون توافق: “أي قرار جوهري… لا يجوز أن يُتخذ بشكل أحادي أو مفاجئ دون إشراك أصحاب العلاقة ومنحهم مهلة كافية”.
وحذر المصدرون من المساس بالعلاقة مع الأردن: “نرفض بشكل قاطع أي مساس بالعلاقة التاريخية والمهنية مع إخواننا في الأردن… وهذه العلاقة لا يجوز أن تُهدم بقرارات متسرعة”.
صورة عن كتاب المصدرين وفي المقابل، وضع المحتجون ملف الاستيراد في صلب الأزمة، معتبرين أن: “الحماية الحقيقية لا تكون بقطع الأسواق المتبقية أمامنا، بل بمعالجة أسباب الإغلاق والتعطل والإفلاس، وضبط الاستيراد، وحماية المنتج الوطني من المنافسة غير العادلة”.
وأضافوا أن: “قطاع الحجر الفلسطيني تضرر بشكل كبير نتيجة دخول المنتجات المصرية والتركية، التي أفقدتنا جزءا من السوق المحلي وأضعفت حضورنا في السوق الإسرائيلي بشكل شبه كامل، واليوم يأتي هذا القرار ليهدد بفقدان السوق الأردني”.
كتاب المصدرين المحتجين 700 كوب شهري..
الرقم الذي أصبح ساحة صراع تشير المعطيات إلى أن التفاهمات السابقة بين وزارة الاقتصاد الوطني واتحاد صناعة الحجر كانت تنظم تصدير نحو 700 كوب شهريا من الحجر الخام إلى الأردن، أي ما يقارب 8400 كوب سنويا.
هذا الرقم، الذي كان يُعامل سابقا كآلية تنظيم للسوق، تحول اليوم إلى محور خلاف سياسي واقتصادي، بعد أن أصبح محل إعادة نقاش حول استمراره أو إعادة توزيعه أو توسيعه أو تقليصه.
اتحاد الصناعات الإنشائية..
دخول على خط الكوتا لا على إدارة القطاع في تطور إضافي، دخل اتحاد الصناعات الإنشائية على خط الأزمة من خلال مطالبته بالحصول على جزء من كوتا تصدير الحجر الخام إلى الأردن، وحتى ساعة إعداد هذا التقرير لم يصدر أي قرار بهذا الشأن.
الأردن..
بوابة تصدير تتجاوز السوق المحلي يمثل الأردن في معادلة الحجر الفلسطيني أكثر من مجرد سوق مباشر، بل حلقة عبور نحو أسواق أوسع، خصوصا في الخليج.
وبالتالي، فإن ملف 700 كوب خام شهريا لا يُقرأ كرقم تجاري فقط، بل كجزء من سلسلة قيمة إقليمية، يجعل أي تعديل عليه قرارا يتجاوز السوق الأردني إلى بنية التصدير الفلسطينية نفسها.
من يحكم صناعة الحجر في فلسطين؟
يكشف هذا الملف أن الصراع في قطاع الحجر لم يعد يدور حول التصدير أو الاستيراد فقط، بل يتسع الجدل داخل القطاع حول ملف استيراد الحجر من مصر وتركيا، بوصفه أحد عناصر الضغط غير المحسومة في معادلة السوق، في ظل غياب بيانات تفصيلية موحدة تفصل بين أثر الاستيراد وأثر التصدير على القطاع نفسه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذا الاشتباك لا يتعلق بالأرقام فقط، بل بالبنية التي تنتج القرار، من يملك فعليا سلطة إدارة صناعة الحجر في فلسطين؟
الصراع الحقيقي ليس على الحجر بل على القرار ما يجري في قطاع الحجر الفلسطيني لا يمكن اختزاله في خلاف حول أرقام كوتا أو سياسات استيراد وتصدير، فجوهر الأزمة يتمثل في من يمتلك القدرة على تحويل هذا التعريف إلى قرار نافذ.
وبين اتحاد يرى نفسه صاحب الولاية التاريخية على القطاع، ومصدرين محتجين، يبقى قطاع الحجر أمام مرحلة إعادة تشكل صامتة، عنوانها الظاهر “تنظيم السوق”، لكن جوهرها الحقيقي هو الصراع على من يملك حق إصدار القرار الأخير داخل واحد من أهم قطاعات التصدير الفلسطينية.