
– فلسطين الحدث: – في زاوية صغيرة وسط الدمار الذي خلّفته الحرب في حي تل الهوا جنوب مدينة غزة، يقف جمال البطش أمام فرن بدائي يحاول من خلاله إعادة الحياة إلى قطع غيار مفقودة للسيارات ومولدات الكهرباء، بعد أن فقد ورشته ومعداته خلال القصف الإسرائيلي في حي الشحاعية شرق غزة.
ولم يستسلم البطش لخسارة مصدر رزقه، فقرر العودة إلى العمل بإمكانات محدودة، معتمدًا على إعادة تدوير الألمنيوم المستخرج من المنازل المدمرة، في محاولة لتوفير قطع غيار باتت نادرة في الأسواق بفعل الحصار وتداعيات الحرب.
يقول البطش لمعا إن العمل اليوم يواجه تحديات كبيرة، أبرزها عدم توفر المواد الخام وارتفاع أسعارها بشكل غير مسبوق، ما دفعهم إلى استخدام بقايا الألمنيوم من المباني المهدمة وصهرها داخل أفران خاصة، ثم صبها في قوالب لتصنيع القطع المطلوبة.
ويشرح باسل البطش، نجل صاحب الورشة، وأحد العاملين فيها، أن عملية التصنيع تبدأ بجمع الألمنيوم وصهره بدرجات حرارة عالية، قبل سكبه داخل قوالب يتم تجهيزها يدويًا باستخدام الرمل والطين، وهي بدائل مؤقتة عن القوالب الأصلية التي فقدوها خلال الحرب.
ويضيف أن الورشة كانت تمتلك قوالب احترافية قبل الحرب، لكنها بقيت داخل المناطق الخطرة التي يصعب الوصول إليها، ما أجبرهم على استخدام وسائل بدائية تقلل من جودة المنتج مقارنة بما كان عليه سابقًا.
ولا تقتصر عملية التصنيع على إنتاج قطع جديدة فقط، بل تعتمد الورشة أيضًا على إصلاح القطع القديمة التالفة، من خلال تعديلها وأخذ نماذج عنها بالطين ثم إعادة صب الألمنيوم للحصول على نفس الشكل المطلوب.
ومع تضرر أعداد كبيرة من مولدات الكهرباء والسيارات نتيجة القصف ونقص الصيانة، ارتفع الطلب على قطع الغيار بشكل ملحوظ، في وقت تعاني فيه الأسواق من انعدام الكثير من الأصناف الأساسية، بحسب البطش.
ويؤكد أن ارتفاع أسعار المواد الخام انعكس بشكل مباشر على تكلفة الإنتاج، إذ ارتفع سعر بعض القطع من عشرة شواكل قبل الحرب إلى نحو مئة شيكل حاليًا، رغم أن توفرها ما يزال محدودًا.
ويقول إنهم تعرضوا للتدمير في كل حرب تمر على قطاع غزة، دون أن يحصلوا على أي تعويضات تساعدهم على استعادة أعمالهم ومصادر رزقهم.
ويوضح أن الورشة الحالية ليست سوى بديل مؤقت أُقيم بإمكانات بسيطة، بانتظار العودة يومًا ما إلى مصنعهم الكبير الذي دمرته الحرب، واستئناف العمل بطاقته الكاملة من جديد.
ورغم صعوبة الظروف، يواصل أصحاب الورش الصغيرة في غزة محاولاتهم لإعادة تشغيل ما دمرته الحرب، مستندين إلى أدوات بسيطة وخبرات تراكمت عبر سنوات، في مشهد يعكس إصرار الفلسطينيين على مواصلة الحياة والعمل وسط واقع اقتصادي وإنساني بالغ القسوة.