
شارك بقلم: أحمد رفيق عوض في روايتها الفراديس الملغومة، تذهب الكاتبة نسب أديب حسين إلى قلب السؤال الأكثر إلحاحاً في التجربة الفلسطينية: سؤال الهوية.
ليس بوصفه مفهوماً نظرياً مجرداً، بل باعتباره تجربة يومية معيشة، متشظية، ومفتوحة على احتمالات القلق والضياع.
الرواية لا تطرح سؤالاً واحداً، بل حزمة من الأسئلة المتداخلة: من نحن؟
أيّ هوية نحمل؟
وهل الهوية قدر أم اختيار؟
وهل يمكن أن تستقر في مكان مضطرب أصلاً؟
تختار الكاتبة أن تجيب – أو تحاول – من خلال مجموعة من الشخصيات الشابة القادمة من جغرافيات فلسطينية متعددة، لكل منها حكايتها الخاصة، لكن يجمعها خيط واحد: البحث عن معنى في مكان مسلوب.
فهناك الشابة المقدسية التي تتقاسم بيتها مع المستوطنين قسراً، فينقسم المكان وينقسم معه الإحساس بالذات.
وهناك عائشة، القادمة من باقة الغربية، المتدينة التي تحب حمزة من طولكرم، لكن الهوية القانونية تفصل بينهما أكثر مما تفعل المسافات، فيتحول الحب إلى مأزق، ثم إلى فاجعة، حين يُقتل حمزة برصاص المستوطنين، فتدخل عائشة في أسئلة قاسية تكاد تمس يقينها ذاته.
وفي مسار آخر، تقف رند، الفتاة الدرزية، أمام معضلة من نوع مختلف: أن تختار نفسها فتخسر خطيبها المرتبط بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وأن تفشل لاحقاً في بناء علاقة بديلة حتى داخل مجتمعها، بسبب اختلاف التصورات والمعاني.
أما ياسين من الخليل، فيمثل نموذج الشاب العالق بين بطالة خانقة وانفصال عن حزبه، بعد أن تغيرت المفاهيم ولم يعد قادراً على الانسجام معها.
في حين يأتي عمار من غزة إلى الضفة بتصريح مؤقت، لا ليبحث عن عمل، بل ليهرب من ذاكرة ثقيلة: حبيبة قُتلت تحت القصف، وأب رحل مكسور القلب.
ولا تغفل الرواية عن نماذج أخرى مثل جوليا، التي تعيش في الرامة، لكنها تحمل ذاكرة قرية إقرث المهجرة، وتصر على تثبيت هويتها عبر فعل رمزي: الزواج في كنيسة مهدمة، كأنها تعيد وصل ما انقطع بين المكان والذاكرة.
ما يجمع هذه الشخصيات ليس فقط التشتت الجغرافي، بل التفاوت الحاد في شروط الحياة.
فالغزي ليس كالخليلي، والمقدسي ليس كابنة الداخل، وكل موقع يفرض منطقه وإكراهاته، وكأن الهوية هنا ليست اختياراً حراً، بل نتيجة مباشرة لشروط المكان.
ومن هنا، يصبح استلاب المكان مدخلاً لاستلاب الهوية؛
فحين يُنتزع المكان من معناه، يفقد الإنسان مرجعيته، ويبدأ بالتساؤل عن ذاته، عن هدفه، عن موقعه في هذا العالم.
الرواية، بهذا المعنى، لا تقدم إجابات جاهزة بقدر ما تغوص في التعقيد.
ومع ذلك، يمكن القول إن الرؤية التي تميل إليها تنحاز بوضوح إلى البعد الجمعي الفلسطيني، حيث تتقاطع الهوية الشخصية مع الوطنية والقومية، بل وحتى الدينية، في محاولة لإعادة بناء معنى مشترك وسط هذا التفتت.
على المستوى الفني، تمتد الرواية على مساحة واسعة، تقارب أربعمئة صفحة، وتنجح في رسم شخصيات قريبة من القارئ، نابضة بالحياة، تنتمي إلى أمكنتها بقدر ما تعاني منها.
الكاتبة تكتب بعين مركبة: عين الباحث التي تلتقط التفاصيل، وعين السائح التي تندهش، وعين الروائي الذي يعيد تشكيل العالم.
لذلك تأتي الأمكنة حاضرة بقوة: الشوارع، المساجد، الكنائس، الدكاكين، كلها مرسومة بمحبة ودقة، حتى تكاد تصبح شخصيات بحد ذاتها.
ومع ذلك، لا تخلو الرواية من إشكاليات واضحة.
فالإيقاع السردي يعاني أحياناً من البطء، واللغة تميل إلى التماثل، فلا تعكس دائماً التوتر العالي الذي تعيشه الشخصيات.
كما يظهر نزوع نحو الشرح المباشر، وكأن النص يريد أن يفسر نفسه بدلاً من أن يترك المجال للتأويل.
وفي بعض المواضع، تبدو الشخصيات أقرب إلى تمثيلات لأفكار أو اتجاهات، أكثر منها كائنات حية مستقلة.
الحوارات أيضاً تعاني من رتابة، والجمل تطول أكثر مما ينبغي، ما يضعف الإيقاع العام.
لكن، رغم هذه الملاحظات، تظل الرواية عملاً جريئاً ومشوقاً، لا يخشى الاقتراب من الأسئلة الحساسة، ولا يتردد في الاشتباك مع السائد.
إنها رواية تكتب القلق كما هو، وتترك القارئ في قلبه، دون أن تدّعي امتلاك اليقين.
وربما هنا تكمن قوتها: في أنها لا تقدم “فراديس” جاهزة، بل تكشف عن ضياعها، وتدفعنا للبحث عنها من جديد.